بعدها غادر إلى ألمانيا..
نفس مشكلة اللغة من جديد فالألمان لا يتكلمون إلا اللغة الألمانية
في ألمانيا ارتاح أكثر لأن صديقه يملك سيارة.. وهذا ساعده على حرية الحركة وإن كان أحده بعض المتعة من السفر في القطار والرحلات الجماعية..
مكث في ألمانيا لمدة أسبوع وكان صديقه يمضي إجازة مثله.. فلم يُقم في منزلهم سوى يوم واحد.. ومن ثم أخذا في التجوال في ألمانيا.. بل إنهما قطعا مسافة تزيد على خمسة آلاف كيلو متراً من الطرق.. وهذا كلفهما ثمن شراء وقود السيارة.. وكان هذا الثمن مناصفة بينهما.
رأى ألمانيا أكثر من فرنسا.. كما أن الوضع المادي لصديقه الألماني جيد.. وله أقارب في مناطق متفرقة من ألمانيا.. وإن كان أقاربه لم يقدموا لهما شيئاً يذكر..
· غادر ألمانيا إلى أسبانيا وقد خطط لتصمت الإقامة أطول فيها..
دمعته في أسبانيا سبقت نظره..
ماذا يرى بالأندلس.. تذكر قصيدة الرثاء في سقوط الأندلس..
لكل شيء إذا مـا تـم نُقصــان
فلا يُغــر بطيب العيــش إنسـان
هي الأمـور كمـا شاهدتها دولً
من سـره زمـُن ساءته أزمـــان
يعتصر قلبه ويعجز لسانه ،
.. عظمة في الدولة.. وعظمة في البناء.. هذا مآله..
كلما دخلُ مسجداً اهتز قلبه..
كم من الركع ذهبوا.. كم من العباد دلفوا.
والناس مشغولة..
هذا الفسيفساء.. وهذا عقد.. وهذا.. كأن الإسلام مباني.
على الرغم من أنه يزور المسجد المجاور لهم إلا قليلاً.. لكن مساجد الأندلس تختلف..
بل كم مرة دخل مسجد الحي ولم يهتز له جفن.. وهو داخل للصلاة..
والآن تهتز جوانحه وهو سائح.. لا مصلي ولا عابد...
حدثه صديقه الأسباني عن عدل المسلمين عندما كانوا هناك.. وحدثه عن معلومات تاريخية..
لا يعرف صحتها من خطئها.. كلما هنالك أنه يحرك رأسه عندما يكلمه،
.. لا يجد جواباً..
ولكن قلبه يهتز..
يتحدثون عن التاريخ الإسلامي.. تاريخ الآباء والأجداد، ولا يعرف عنه شيئا.. بل إنه يفكر.. هل هو من أحفاد من فتح الدنيا..؟ غادر الأندلس وهو حيران بكل ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى..
وصل بطريق البحر إلى المغرب..
ثم سافر بالحافلة إلى قرية صديقه المغربي وكانت بالقرب من الحدود الجزائرية.. أقبل على القرية.. قرية وادعة في وسط الصحراء.. تذكره بقريته.. لم يحتج للعنوان..
أين بيت جابر.. الكل يعرفه.. وجه غريب.. الكل ينظر إليه.. رافقه أحدهم عندما عرف أنه قادم من أرض الحرمين.. حمل حقيبته بإصرار عجيب..
طرق الباب.. هذا والد جابر.. لم يعط فرصة ليعرف بنفسه.
هذا قادم من مكة..
احتضنه.. تفضل.. حفاوة بالغة.. أخجلته.. لقد كانوا ينتظرون قدومه بشوق منذ أسبوع. أعدوا له الحفلات كما ذكروا..
بعد شرب الشاي.. وضعوا له غرفة مرتبة..
· في المساء..
أخبروه أن أهل القرية يريدون أن يروه.. تعجب ،ماذا!!
يرونني.. وضُع على المنصة في الحفلة.. وتكلم مسؤول الحفل.. فرحب به ترحيباً حاراً.. وكان الحفل يضم أغلب أهل القرية إن لم يكن كلهم.. رجالاً.. ونساءً وأطفالاً..
بعدها تحدث إمام المسجد عن فضل مكة المكرمة والمدينة المنورة.. ورحب به..
· وكانت المفاجأة الصاعقة له.
يتحدث إليكم القادم من أرض الوحي من مهبط القرآن الكريم من أرض مكة والمدينة.. كان قبل يبتتسم عندما تحدثوا.. ولكن عندما طلبوا منه الحديث..
تغير لونه. ارتعدت فرائصه.. أنعقد لسانه..
لم يتعود أن يتحدث في جمع كهذا.. ثم ماذا يقول.. وهو طالب الاقتصاد.
ولكن الله يسر.. فقد تحدث إليهم عن الحرم والكعبة.. والحج.. وتكلم كثيرا عن الحج فهو موضوع بسيط درسه منذ القدم ولديه معلومات سنوية متجددة من خلال الإعلام خلال موسم الحج..
ودعا الله أن يحجوا إلى مكة..
فكان أن تعالت الأصوات والبكاء.. والتأمين.. بدأ يتحدث بشكل منفعل وكأنه يخاطب نفسه بالتوبة.. خنقته العبرة وهو يتحدث..
فبكى.. سكت الجميع برهة.. وأصابه ذهول من نفسه.. كأنه في حلم عجيب..
قام الجميع يسلمون عليه ويتحدثون بكلام لا يفهمه.. نصفه بكاء ونصفه الآخر بلهجة محلية..
بعد هذا المشهد وكأنه يشاهد تمثيلية وهو بطلها.. دُعي إلى العشاء.. وكان عشاء يكفي لجميع الحاضرين.. لكنه لم يكن يتلذذ بالأكل..
في داخله شيء لا يعرفه..
ذهب إلى غرفته وأغلق الباب.
وبكى
بل إنه وضع وجهه على وسادته.. حتى ابتلت من النوع. حاول أن يخفض صوته حتى لا يسمعه أهل البيت..
غلبه النوم وهو يبكي.. ولعل عناء السفر ساعده على النوم.
طُرق الباب..
صلاة الفجر..
خرج إلى المسجد.. وصلى بخشوع قلب.. وبكى في الصلاة.
أصبح شارد الذهن.. لا يعلم ما أصابه.. لا يعلم كيف قضى تلك الأيام.. لكن لياليه كانت بكاء وكان الشرود بادياً عليه في النهار..
قرر أن يعود إلى بلاده..
رغم إصرارهم على المكوث.. ولكنه عزم على العودة.. وكان خط سيره إلى جدة.. انتقل من جدة إلى مكة.. ومكث أسبوعاً في الحرم.. لا يخرج إلا لحاجة ضرورية..
بدأ يقرأ القرآن بتمعن.. يصلي بخشوع.. يطوف بطمأنينة..
كان لسان حاله :
· أين أنا عن كل هذا.. أين السنين الماضية..
لم يستطع أن يراجع حساباته. لأنه يغلبنه البكاء.. والندم الشديد.. كان إذا تفكر في الماضي..يفتح ألما
فتح المصحف وقرأ.. دموعه لا تفارقه. أين هذه الدموع السنين الماضية..
لا يعلم..
هدأت تلك الدروس التي تقام في الحرم روعه
اشترى كتاباً بعنوان: (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) وآخر عنوانه: واحات الإيمان لعبد الحميد البلالي.
وقبل هذا وذاك..
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق